جاسم عجاقة (صحيفة الديار)
على أبواب إنقضاء المهّلة الدستورية لإقرار مشروع موازنة العام 2026، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة لمناقشة المشروع وإقراره، وذلك أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس المقبل. هذا الأمر يأتي عقب إنتهاء لجنة المال والموازنة من دراسة المشروع، والقيام بتعديلات طالت نقل إعتمادات لصالح الخدمات الاجتماعية والصحية وعمل المؤسسات الأمنية والعسكرية، كما وإلغاء مواد تتعلّق بفرض ضرائب ورسوم جديدة.
وعلى الرغم من ضرورة إقرار الموازنة – أهم قانون سنوي يُقرّه المجلس النيابي- إلا أن هذا المشروع لم يحمل في طيّاته مُعالجّة جدّية لواقع لبنان المالي والإقتصادي. ففي قراءة متأنية لمشروع قانون الموازنة العامة المحال إلى مجلس النواب، يجد المراقب نفسه أمام أرقام ضخمة، تعكس حجم التضخم أكثر مما تعكس حجم الإنتاج، حيث إستقرت التقديرات عند 534,715 مليار ليرة لبنانية لكل من النفقات والإيرادات، في محاولة رسمية لإعلان «صفر عجز».
توازن ورقي
اللافت في هذه الموازنة هو إعتمادها الكلي على الإيرادات الضريبية، التي تشكل 82.29% من الدخل القومي المتوقع. هذا الإعتماد يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع المواطن من باب قدرته الشرائية المتهالكة أصلا. وبالتحديد، فإن الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات، المحرك الأساسي لهذه الجباية، تتجاوز 64% من إجمالي الضرائب.
وفي مُقابل ذلك، تُشكّل النفقات الجارية، التي تشمل الرواتب والمخصصات والمنافع الاجتماعية، الحصّة الأكبر مع نسبة 88.8% من إجمالي الإنفاق، مما يجعل الإنفاق الإستثماري يدور حول الـ 11% ، وهو ما يُظهر الخلل البنيوي الذي تحويه الموازنة والمُستمرّ منذ عشرات السنين. وبالتالي، فقدت الدولة دورها كمُحرّكٍ للنمو الإقتصادي ومطورٍ للبنية التحتية.
يتبنى المشروع سياسة توازن حسابي دقيق بين النفقات والإيرادات، مع غياب للعجز المتوقّع. فقد قُدّرت النفقات بـ 534,715 مليار ليرة لبنانية وتتوزّع على الشكل التالي:
- النفقات الجارية: تشكل الكتلة الأكبر بقيمة 449,562 مليار ل.ل. (حوالي 88.8% من إجمالي الإنفاق).
- النفقات الاستثمارية: خُصص لها 56,158 مليار ل.ل. (حوالي 11.1%).
- خدمة الدين: تبلغ 25,931 مليار ل.ل.
أمّا الإيرادات، فقدّ قُدرت بنفس مبلغ النفقات ، مما يعكس موازنة متوازنة دفترياً، مع إعتمادٍ ساحق على الإيرادات الضريبية (82.29%)، مقابل 17.71% فقط للإيرادات غير الضريبية.
وإذا كان مشروع الموازنة قد نصّ على صفر عجز، إلا أن إلتزام الحكومة بالإنفاق المنصوص عليه في المشروع، وقدرتها على تحصيل الضرائب، تبقى الشرط الأساسي لتحقيق التوازن، مع فرضية عدم حصول تطورات جيوسياسية وأمنية وعسكرية قدّ تفرض على الحكومة إنفاق إضافي يُطيح بهذا التوازن.
نقاط القوّة
مما لا شكّ فيه أن مشروع الموازنة يحمل نقاطا إيجابية للمواطن ، نذكر منها الإهتمام بالقطاع الصحّي، حيث يحوي المشروع على مقتضى قانوني، يهدف إلى حلحلة أزمة المستشفيات، مع منح سلفات شهرية بقيمة 60% من قيمة الفواتير المقدمة، لضمان إستمرار التغطية الصحية. هذه الخطة وعلى الرغم من ضرورتها، تعكس هشاشة النظام المالي ، الذي بات يعتمد على «السلفات» بدلاً من رصد إعتمادات دفع نهائية وواضحة، ضمن خطة إستراتيجية شاملة.
أيضا يتوجّب ذكر التعديل الذي قامت به لجنة المال والموازنة، مع زيادة إعتمادات وزارة الصحة لصالح مرضى السرطان. أيضا من النقاط الإيجابية إستمرار الدولة بدعم الأجور والمساعدات الاجتماعية لمواطنيها، في ظل ظروف إقتصادية صعبة، وهو ما يدخل في خانة المسؤولية الأخلاقية.
وفي بادرة لافتة، نصت إحدى مواد المشروع على إقتطاع 500 مليار ليرة من إيرادات البلديات، لصالح القرى التي تفتقر لمجالس بلدية، لتأمين الحد الأدنى من الخدمات كالإنارة والنظافة. وعلى الرغم من البعد الإنساني لهذه الخطوة، إلا أنها تُشكّل إعترافا بالفشل الإداري في تعميم اللامركزية، من باب مُحاولة معالجة النتائج بدلاً من الأسباب عبر توزيع مالي مركزي.
أيضا من نقاط قوّة هذا المشروع أنه يدّعم التعليم، حيث تُظهر الموازنة تخصيصات واضحة للمديرية العامة للتعليم العالي والتعليم الجامعي.
قوانين البرامج... وعود مُؤجّلة
يكشف المشروع عن تعديلات في «قوانين البرامج» المتعلقة بتشييد أبنية للإدارات العامة، بهدف الاستغناء عن كلفة الإيجارات الباهظة ، التي تدفعها الدولة بالدولار الأميركي أو بالليرة اللبنانية. إلا أن المهل الزمنية لهذه المشاريع تمتد حتى عام 2030، مع توزيع إعتمادات الدفع على سنوات طويلة.
وهو ما يطرح السؤال عن قدرة الدولة على تنفيذ هذه المشاريع، في ظل غياب التمويل المستدام والإعتماد المتزايد على الهبات والقروض الخارجية، التي خصصت لها المادة السادسة حيزاً تنظيمياً واسعاً.
نقاط الضعف والمخاطر الاقتصادية
هذه الموازنة هي موازنة بنود وليست موازنة برامج وأداء، إذ تفتقر بشكلٍ واضح إلى الإعتمادات بتحقيق أهداف إقتصادية وإجتماعية محددة لضمان الفعالية. كما لحظ في المشروع غياب تفعيل دور ديوان المحاسبة بشكل صارم، على الهبات والقروض والإعتمادات الإستثنائية، لضمان عدم هدر المال العام.
أيضا من نقاط ضعف هذه الموازنة غياب الكفاءة في جباية الإيرادات غير الضريبية، من أملاك الدولة والمؤسسات العامة (تشكل نسبة ضئيلة)، لتخفيف الضغط الضريبي على المواطن.
على صعيد أخر، يُشكّل الإنفاق الإستثماري نقطة ضعف في الموازنة، إذ يحدّ من قدرة الدولة على تحفيز النمو الاقتصادي. وعلى الرغم من تحسّنه النسبي، إلا أنه يبقى ضعيفا مقارنة بالمعدّل العالمي.
أيضا من نقط ضعف هذه الموازنة، الإعتماد المفرط على الضرائب (أكثر من 82% من الإيرادات)، في ظل ركود إقتصادي قد يؤدي إلى إنكماش إضافي أو زيادة في التهرب الضريبي. وبحسب المادة السابعة من المشروع، فإن المجلس النيابي يُجيز للحكومة فتح إعتمادات استثنائية بـ 1000 مليار ليرة بمرسوم، مما قد يفتح باباً للإنفاق خارج الرقابة البرلمانية المسبقة. كما تنصّ المادة السادسة على ربط تمويل المشاريع الأساسية بالهبات والقروض الخارجية، وهو ما يربط تنفيذها بمدى إلتزام الجهات المانحة.
والأهمّ في كل ما ذّكر، لم تُعالج الموازنة مُشكلة الدين العام بشقيّه الداخلي والخارجي. وإذا نظرنا إلى حجم خدمة الدين في المشروع، نرى أن هناك توجّها على طيّ صفحة الدين الداخلي وعدم مُعالجة مُشكلة اليوروبوندز مع الدائنين، مما يعني أن الموازنة لا تعكس حقيقة الواقع على الأرض. هذا القول الأخير يؤكّده غياب أي ذكر عن المستحقات على الدولة اللبنانية (ثمن الفيول) بقيمة تتجاوز المليارين ونصف دولار أميركي.
ويبقى الأهم في الأمر غياب قطوعات الحساب، التي من الظاهر أن لبنان غير مُستعد حتى الساعة لفتح هذا الملف!
موازنة «الصمود» أم «الجمود»؟
يظهر مشروع موازنة العام 2026 بتفاصيله التقنية، وكأنه محاولة لشراء الوقت. فبينما يفتخر المشروع بتحقيق توازن حسابي، تظل الحقيقة الإقتصادية تشير إلى أن هذا التوازن مبني على إفتراضات جباية قاسية، في ظل إنكماش حاد.
القوة الحقيقية لأي موازنة تقاس بقدرتها على تحفيز القطاعات الإنتاجية، وهو ما تفتقر إليه هذه الأرقام، التي تذهب في معظمها لتمويل هيكل إداري، يحتاج إلى إصلاح جذري قبل التمويل. يبقى السؤال المعلق بإنتظار نقاشات المجلس النيابي: هل سيتمكن البرلمان من تحويل هذه الأرقام الجامدة إلى خطة تعافٍ حقيقية؟ أم ستظل مجرد أوراق تُضاف إلى أرشيف الأزمات اللبنانية المتعاقبة؟